نصر حامد أبو زيد

18

الاتجاه العقلي في التفسير

قضيتين أساسيتين ، هما قضية الإمامة ، وقضية الحكم على مرتكب الكبيرة ، أو الإمام الجائر إذا استخدمنا لغة الخوارج . والمعسكران اللذان أسهما في الحوار هما الخوارج والمرجئة . ولمّا كان المرجئة هم ممثلو الحزب الأموي فقد امتنعوا عن الخوض في أحقية الإمامة أو شروطها ، لأن واقع الخلفاء الأمويين ومسلكهم العملي إزاء عامة المسلمين اتّسم بالعسف والجور ، الأمر الذي منع مفكريهم من الخوض في قضية الإمامة ، لأنها بكل المعايير ستكون قضية خاسرة . وبناء على ذلك تحوّلوا بالقضية إلى خلاف فقهي حول تعريف الايمان والكفر وعلاقتهما بالعمل . وتصدّى الخوارج للرد على هذه النزعة التبريرية التي تخلّ في النهاية بمعايير الثواب والعقاب ، وتؤدي إلى نوع من الفوضى الأخلاقية والاجتماعية ، نتيجة لفتح باب الغفران على مصراعيه . غير أن البعد السياسي لهذه الخلافات الدينية لا ينبغي أن يلفتنا عن الوجه المتصل بالتقوى الدينية ، تلك التقوى التي جعلت كثيرا من المسلمين - والذين لم يكونوا من الخوارج - لا يستريحون لسلوك كثير من خلفاء بني أمية ، هؤلاء الخلفاء الذين قتلوا آل بيت رسول اللّه وهدموا بيت اللّه ونبشوا القبور ومثّلوا بالجثث . . الخ . كان أتقياء المسلمين إذن غير راضين عن أحوال الدولة ، ولكنهم لم يكونوا يملكون سوى الصمت . وبديهي أن أفكار المرجئة « لم تكن تتفق وعاطفة أولئك الورعين الذين لا يرون في سياسة وصول الأمويين للحكم ، وفي رجالاتهم وعمالهم ، إلّا عدم تقوى ، بل كفرا » . 23 ولقد حاول الأمويون الدفاع عن سياستهم القائمة على العسف والظلم ، وكان طبيعيا أن يحاولوا استغلال التصور الديني - القائم على التقوى أيضا - الذي يرى أن كل شيء في هذا الكون إنما هو خاضع لإرادة اللّه ومشيئته ، تلك الإرادة الحرّة التي لا يمكن أن تحدّ منها الإرادة الانسانية . حاول الأمويون أن يستغلوا هذا التصور لتثبيت دعائم سلطانهم على أساس ديني مكين . ولمّا كان من الصعب على وجدان المسلم التقي أن يحدّ من قدرة اللّه وإرادته ، وأن يضع الإرادة الانسانية كمقابل للإرادة الإلهية فقد كان من الطبيعي أن يتلقى العلماء المسلمون الردّ على ذلك من علماء الكلام أو اللاهوت المسيحيين « فدمشق المركز العقلي للاسلام في عصر الخلافة الأموية ، كانت في الوقت نفسه مركز التفكير النظري في القدر ، وفي المذهب الجبري أيضا ، ومن هناك انتشر هذا التفكير سريعا في ميدان أكثر اتساعا » 24 . ولقد كان من الطبيعي أن يكون للموالي في هذا الصراع الفكري ، وفي التأثّر بالأفكار اللاهوتية المسيحية أو اليهودية دور ليس للعرب الخلّص بحكم ثقافتهم